الخميس، 2 فبراير، 2012

بين بين

أجمل لحظات وجودي كانت بلا شك تلك التي قضيتها مختبئة في أحشائك... في ذلك الظلام الدامس والهدوء الآمن, لا أسمع إلا دقات قلبك وصوتك القادم من بعيد...كنتِ ممتلئة بي وكنتُ أسكنكِ... كنتِ لي وحدي, لا أحد أقرب إليك مني, لا أحد يبعدكِ عنّي أو يقصيني عنك, لا أحد يسرقك مني يا أمَي!!!
وأتعس لحظات حياتي كانت بلا شك حين غسَلتك بيديَ هاتين جثَة باردة بلا حول ولا قوة! كنتُ ممتلئة بك وكنتِ فارغة من كل شيء! كفَنتك يا أمَي وعطَرتك وأعددتكِ لدود سوف ينهش لحمكِ!
فشتَان بين اللحظتين: بين الميلاد والموت، بين البداية والنهاية، بين الانتظار واللا انتظار, بين الامتلاء والخواء, بين صراخ القدوم وصمت القبور!
انقسمت حياتي إلى نصفين ما قبل وما بعد... ما قبلكِ وما بعدكِ أو بالأحرى ما قبل يُتمي وما بعده... لم أتيتّم حين فارقتِ الحياة بل حين فارقتني الحياة, حين أصبحتُ غير قادرةعلى الحديث معكِ, حين أحسستُ بعجزي عن مواجهتكِ, حين انتصبت هذه الجدران بيني وبينك, حين غرقتُ في صمت طويل وتخبّطتُ بين الكره واليأس والخوف والحاجة إليكِ... حاولتُ استعادتك بما بقي لي من قوّة, أحببتكِ كما أنتِ, فهمتُ خوفك وصمتكِ... تيتّمتُ حين متِّ قبل أن أقول لكِ كم أحبّكِ, كم أحببتكِ, كم كرهتكِ, كم تمنّيتُ عمرا آخر معكِ, بيتا آخر لي أنا وأنت, الجذع وفرع واحد لا غير, حسدتُ عيسى عليه السّلام لأنه لم يكن لديه سوى أمّه ولم يكن لديها سواه, كانت هويّتَه واسمَه وأصلَه ومفخرتَه, وكان هو أملَها وحلمَها وسببَ وجودها وفرحتِها! تمنّيتُ أن أقول لك الكلام الذي لا يقال... تمنّيتُ لو لم أخذلكِ, لو قضّيتُ معك ليلتكِ الأخيرة, لو حدّثتُكِ عن أيّ شيء فقد كنتِ تحبّين حديثي، تستمتعين بوجودي, تستبشرين بضحكتي, تُعجَبين بمواقفي وتُقدِّرين حماستي! كنتِ صديقتي وقد خذلتكِ حين كنتِ بأمسّ الحاجة إليّ... فما أحوج من كان من الدّنيا في انقطاع إلى وجه يحبّه, إلى صوت يألفه وإلى قلب يسامحه... وما أحوجني اليوم وغدا إليكِ يا حبيبتي!!!

هناك 10 تعليقات:

Primavera يقول...

Terriblement beau, terriblement triste. Courage ma soeur,

فصبر جميل والله المستعان..

CHAMS AL ASSIL يقول...

merci prima tu te souviens de ce que je t'ai dit à propos de Full House! profite de ta famille et surtout de la présence de ta mère rabbi yfadhalhè.

غير معرف يقول...

أرجو من الله أن يجبركِ في مصيبتك وأن يخلفكِ خيرا منها. السعيد من عمل لما بعد الموت وخالف نفسه وهواه. اعملي صالحا كي تلحقي بها في الجنّة. أعرف ذلك الاحساس الذي تتحدّثين عنه ولقد مررت بتلك الفترة بعد وفاة والدتي ولازمتني هذه الحالة طويلا ولكن نحمد الله الذي أنزل سكينته ورضاه بعد ذلك. قلوبنا معكِ وألسنتنا تدعو لكِ عقبى كلّ صلاة.kamelo

Primavera يقول...

Eh oui, maintenant je mesure à juste titre ton commentaire, toi aussi tu as surement quelqu'un qui t'aime aussi, essaie d'en profiter :)

CHAMS AL ASSIL يقول...

kamélo merci pour ton commentaire et pour ton soutien pour tes conseils tu m'as préparée à cette épreuve en me racontant tes propres chagrins en m'apprenant la foi et la patience en m'insitant à profiter de la présence de ma mère ! merci infiniment à toi cher ami pour tout ce que tu m'inspires!

مرجانة يقول...

Tristement beau :')

Nouha يقول...

لن أتحدّث عن روعة ما قرأت ولا عن الإبداع في اختيار الكلمات فحين نتكلّم عن الأمّ تتكلّم كلّ جوارجنا، كلّ أحاسيسنا، فالأمّ مهما كتبنا عنها ومهما تحدّثنا فلن نعطيها حقّها وهي حيّة بيننا فكيف إذا كانت قد إنتقلت إلى جوار ربّها وحُرمنا من رؤيتها ثانية والكلام معها و شمّ رائحتها الزكيّة المعطّرة دون عطر.
أسأل الله أن يصبّرك وأن يجيرك في مصيبتك وأن يخلفك خيرا منها وأن يحفظ لك عائلتك.
ولكن في الآخر حبيبتي فإن هذه الدنيا كلّها فانية، بعبادها وأشجارها، بأرضها وبحرها، بكلّ سكّانها من إنس وجنّ ولن يبقى إلاّ وجه الله الذي لا يفنى، الله الذي لا يموت والذي يسمع عبده دائما.
حبيبتي، إن فراق الأمّ صعب ومؤلم ويقتل النفس دون خروج الروح، فنقتل كلّ يوم والروح فينا فنذوق الموت مرّات ومرّات ومرّات ونزداد حزنا حين نمرّ بمشكلة ما فيزيد الشوق إلى حضن الأمّ وكلامها وهمساتها.
أمّك حملت بك فولدتك فأرضعتك فأشبعتك بّا وحنانا فسهرت اللّيالي من أجلك وكانت رمزا للعطاء دون حدود. والآن جاء دورك لردّ الجميل، لم تكن تطلب ردّ الجميل في حياتها ولكن تأكّدي أنّها الآن في حاجة إلى ردّ الجميل.
كلّ ما إشتقت إليها، سارعي بالدعاء لها، كلّما إشتقت إلى الكلام معها، إرفعي يديك إلى السماء وإدعي الحي القيوم الذي لا يموت بأن يرحمها ويوسّع مدخلها وأن يرزقها ميتة الشهداء فيحرّم الله على الدودة نهش لحمها الطّاهر. كلّما إحتجت لها، إقرئي لها القرآن فيرتاح بالك ويشفى صدرك ويطمئن قلبك بذكر الله وفي نفس الوقت تنيرين قبرها وتأنسين وحشتها وترفعين درجتها عند الله. إنّها محتاجة لك الآن كالطفل حين ولادته، لا حول ولا قوةّ له فيحتاج أمّه لتساعده على الحياة، ولكنّ الرضيع يُسمع له نداء فتلبين نداءه ولكنّ موتانى لا يُسمع لهم نداء ولكنّهم محتاجون لنا أكثر من الأحياء.
في الدنيا، طريقة المخاطبة هي الكلام ولكن حين ينتقل أحد المتكلّمين إلى البرزخ، فإن طريقة المخاطبة تنتقل من الكلام إلى الدعاء، قراءة القرآن، الصّدقة، أداء عمرة بإسمه فيفرح بهذا الذي فارقناه ونكون قد نفعناه.
عندما تحبّين شخصا فإنّك تسارعين إلى إرضائه فكيف إذا كان الشخص هو الأمّ العزيزة على القلب!!!
سارعي يا حبيبتي إلى تلبية نداء أمّك وإجعلى الرابط بينكما ذكر الله والدعاء لها واجعلي كما لو كانت تعيش معك، فعوض تقديم القهوة لها وبعض الحلويات، سارعي الى تقديم الادعية لها في طبق من الحبّ وبعض السور من القرآن الكريم في صحن من الشّوق وصدقة جارية في كأس من العشق وتأكّدي أن وقتها ستحسّين بأنفاسها معك وأنّها لم تفارقك.
اللهمّ اكتبها عندك في الشهداء وارحمها رحمة واسعة واسكنها فراديس جنانك .. واجعل قبرها روضة من رياض الجنّة .. اللهمّ أبدلها دارا خيرا من دارها .. وأهلا خيرا من أهلها .. اللهمّ باعد بينها وبين خطاياها كما باعدت بين المشرق والمغرب .. اللهمّ اغسلها من الذنوب والخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدّنس .. اللهمّ ثبّتها عند السؤال على كلمة الحقّ .. يا أرحم الرّاحمين .. يا أرحم الرّاحمين .. يا أرحم الرّاحمين يا ربّ العالمين

CHAMS AL ASSIL يقول...

شكرا جزيلا على رحابة صدرك وكرم أخلاقك معك كل الحق في كل كلمة! أحاول الالتزام بما قلت وما كلماتي إلا فيض مشاعر الغاية منها ليس بالضرورة أن أقول ما أحس بل أن أقول ما قد يحسه أحد ما يقرؤني في يوم ما فيتأسى بما يقرأ أو آخر لم يعش هذا الحزن فيغتنم ما بقي له من وقت لينعم بوجود أمّه! شكرا مرة اخرى على مجهودك وجازاك الله كل خير!

Nouha يقول...

جازاك الله خير الدنيا والآخرة على كلماتك الرائعة وعلى نبل أخلاقك وحلاوة كلامك.
بالفعل، إنّ ما كتبتيه يمثل دواء لمن عاش هذه التجربة الأليمة ودرسا لمن لم يعشها بعد (اللهمّ إحفظ لنا والدينا ولا تذقنا مرارة فراقهم يا ربّ). قد تأخذ الحياة البعض بعيدا فيهتمّون بمشاكل الحياة والأطفال والمدارس وينسون أن لديهم أبا وأمّا لا ندرى متى ستسحب المنيّة أحدا منهما فلا يستغلون الوقت لرؤتهما ولا للحديث معهما.
لم أعش شخصيّا هذه التجربة (أدعو الله بألّا أعيشها) ولكن حسب تجربتي الشخصية ألا وهي اقامتي خارج وطني لمدة 9 سنوات فإنّي أدرك كلّ كلمة من كلامك ففراق امّي حفظها الله كان صعبا جدّا بالنسبة لي فهي امّي وأختي الوحيدة وصديقتي ومنذ صغري كنت مرتبطة جدا جدا جدا بها ولم أكن أريد التسوّق الا معها ولا يمكنني الاستمتاع بوقت الا معها، وحين انتقلت الى خارج الوطن مررت بحالة نفسية سيئة جدا لشوقي الشديد لها مع ان الله رزقني زوجا صالحا والحمد لله ولكنّ مكان الأمّ لا يعوّضه أحد. وأقول دائما لمن حولي والذين يعيشون مع أمّهاتهم "عيشوا واستمتعوا بامهاتكم فلا تدرون ماذا تخبئ لكم الايام"
حفظ الله أمّي العزيزة على قلبي وامّهات المسلمين ورحم الله أمّك وكل امهات المسلمين وبارك الله فيك وعائلتك وصحّتك ومالك.

CHAMS AL ASSIL يقول...

@ نهى يسعدني أن علاقتك بأمك كانت منذ البداية مثالية! أهم ما في هذا النص ليس الحزن على ما فات ولكن الدعوة إلى المصالحة مع الأم مهما كانت فترة الخلاف وأسبابه فمهما كانت القسوة الظاهرة أو الظروف أو الألم لا بد من المصالحة قبل الموت بالمصارحة أو بالصمت الجميل المتسامح!