الثلاثاء، 10 أبريل، 2012

عائشة


المقدمة

أنا لا أسرد بالضرورة قصصا واقعية بل أستوحي قصصا قد تكون واقعية من مخزون فكري وعاطفي واجتماعي تراكم في قلبي وعقلي وضميري منذ سنين! غايتي ليست السخرية ولا الامتعاض ولا التعاطف ولا الاعتبار... الغاية من هذه القصص هي الحديث عن أشياء "عادية" تحصل لكل الناس كل يوم : الألم, الصمت, التجاهل, الحيرة, الغضب, الظلم... ولكنها قد تدمّر في كل مرة شيئا ما, في نفسٍ ما، في جسدٍ ما، في حياةٍ ما... العادة تقتل الدهشة وتقتل معها الاعتبار والتعاطف والامتعاض وحتى السخرية ولكنها لا تقتل الألم الذي نحسّه في كل مرة! لذلك لا أرجو سوى أن لا يقرأ أحد قصّة من هذه القصص ثمّ يقول في نفسه: عادي! نورمال! وماذا في ذلك! Ça arrive! Et alors! وكل هذه العبارات التي لا تعبر عن اللّامبالاة بقدر ما تعبّر عن اللّا إنسانية!
عائشة

اسمي "عائشة"! عشت على مدى أربعين عاما سجينة لهذا الاسم الذي لم أختره لنفسي... اختاره لي جدي لأبي وليس لأحد منهما أيّة مكانة في قلبي... لم يورّثاني غير سمرة لا تعجبني وأسرة لم تتّسع لي وبيئة لم تكن تناسبني واسم أثقل كاهلي!

اسمي "عائشة"! واسمي بالنسبة لي دليل على النفاق الاجتماعي سمّانيه جدّي حفاظا على تراث ديني لم يكن يوما يعني لي شيئا ووافق عليه والدي من باب الطاعة لوالده ورفضته أمي على طريقتها فمنحتني اسما آخر أنادى به واستغله أقراني للسخرية مني فالألف عندنا تتحول إلى ياء وتتحول "عائشة" إلى "عيشة" فأسمعهم يرددون "ملّا عيشة... عيشة مُرّة"! لفظت هذا الاسم منذ وعيته ولم يكن بإمكاني إنكاره أو التنصّل منه فكلّ وثائقي الرّسميّة تحمله وتنسبني إليه!

اسمي "عائشة"! ترعرعت في بيئة يسمّونها محافظة وأسمّيها منافقة: تحكم على الأخلاق بالمظهر، تُقيّم شرف المرأة بساعات الخروج من المنزل، تضع المُطلَّقة وبناتها في خانة المغضوب عليهن، تمنح الرّجل كلّ الامتيازات بما في ذلك السيطرة على المرأة: قمعها، الكذب عليها، التحرّش بها، استغلالها، قبولها أو رفضها، الرّضا عنها او السّخط عليها...

اسمي "عائشة"! أمّي مُطلَّقة, امرأة حُرّة اختارت مصيرها بعد سنوات طويلة من الزواج وإنجاب عديد الأبناء. قرّرت الطلاق لأنها تزوّجت في سنّ مبكّر هربا من ذلّ زوجة الأب فأمّها أيضا مُطلَّقة وهي اختارت لنفسها نفس المصير. لم تخجل من قرارها بل تمسَكت به لسنوات وتحدّت القاضي الذي ماطل في الطلاق حفاظا على الأسرة والمجتمع الذي وصمها بالعار والنّساء اللّائي شكّكن في أمومتها لأنّهنّ لا يُفرّقن بين أن تكوني زوجة وأن تكوني أمّا! أمّي كانت أمّا حازمة وكانت أيضا زوجة تعيسة ولم يكن أبي الرّجل المناسب لها بل إنّ الزواج أصلا لم يكن ملائما لمثيلاتها! كانت شُعلة من الذكاء، جميلة كنجمة سينمائية، مُتمرّدة كغزال شارد! ولم يكن أبي سوى رجل عاديّ نمطيّ مثل المئات من أبناء جيله...

 حصلت أمّي أخيرا على الطلاق ووُصِمنا نحن بالعار والخزي فانا وأخواتي بنات مُطلّقة أمّها مُطلّقة ونعيش في مدينة مُغلقة على نفسها وعاداتها وأوهامها. أنا أصغر إخوتي لذلك عشت الطلاق بأدقّ تفاصيله الموجعة وابتعدتُ عن أبي كلّ يوم أكثر فأكثر! كنت أحمل اسمه بلا فخر وأخبّؤ حاجتي إليه بكلّ صلف وكِبر ويصبح اسمي في حلقي كلّ يوم أمرّ!

اسمي "عائشة"! كبرت كنبتة صبّار في صحراء قاحلة: شائكة، وحيدة، عطشى، قاسية... لم يكن لديّ أصدقاء فالأفكار المُتخلّفة والأحكام المُسبقة تنتقل من جيل لآخر عبر نظرة مُمتعضة، كلمة مُهينة أو تعليق ساخر. وضعي الاجتماعي الخاصّ جعلني مُميّزة دون أن أدري فقد كنتُ محطّ الأنظار أينما ذهبت ولم يزدني رفض الآخرين لي إلّا رغبة في تحدّيهم والتّنكيل بثوابتهم! كنت متفوّقة في دراستي نِكاية في الغرور الذكوري, كنت أرتاد النادي الثقافي في بيئة تعتبر الفن والثقافة عيبا على الذكور فما بالك بالإناث, كنت أمارس الرياضة في ملعب ليس فيه سوى الذكور. أرتدي بزّتي الرّياضيّة وأحمل حقيبتي على كتفي وأخطر بكلّ ثقة في شوارع مدينتي. أمرّ أمام مقاهيها التي تعجّ بالفاشلين واليائسين والمُترقّبين والمُعطّلين عن أيّ نشاط ذهني... أكاد أرى أعينهم تُعرّيني وشفاههم تبصق عليّ وحقدهم يُعيدني إلى خانة الجواري والإماء! أمضي مُفتخرة بنفسي ساخرة منهم ومن الفتيات المُدجّنات في البيوت اللّائي لا يعرفن سوى السّمع والطاعة وإجادة الطبخ والخياطة وانتظار ليلة القدر التي سيُسلّمن فيها لمن يستعبدهن بقيّة حياتهن!

اسمي "عائشة"! انتقلت إلى العاصمة لأكمل تعليمي العالي واكتشفتُ أنّ التخلف لا مدينة له فهناك أيضا تتتبّعك النظرات والأحكام في كلّ حركة ويحلّ التحرّر الزائف محلّ التّحفّظ الخائف فبقيت وحيدة كما كنت، وأصبحت متعالية أكثر ممّا كنت، مُغلقة على نفسي وطموحي وخياراتي.

اسمي "عائشة"! لم يكن هناك سقف لطموحي ولا حدّ لتمرّدي ولا نهاية لأفقي. أكملت دراستي الجامعية وقرّرت السّفر إلى أوروبا لمواصلة تعليمي ومواصلة هربي وبحثي! اكتشفت هذه المرّة أنّ الظلم لا وطن له! لم يعد اسمي مشكلتي أنا فقط بل أصبح مشكلة الآخرين أيضا! أينما حللتُ أواجه مواقف متباينة يُسبّبها لي اسمي: مُتديّنون يمتعضون من مظهري الذي لا علاقة له باسمي! مُتشدّدون يعتبرونني عارا على هذا الاسم! "مُتحضّرون" لا يبالون باسمي ولا بهويّتي! مُتشدّدون من نوع آخر يتوجّسون من مظهر "منفتح" يُخفي اسما "إرهابيّا"! "مُثقّفون" وأكاديميّون يُميّزون آخرين عليّ لأنهم لا يحملون مثل هذا الاسم! لم أفهم أبدا كيف يُحاكم الناس اسما أو يُحاكمون شخصا لأنّه يحمل اسما بالذات!

اسمي "عائشة"! ازدادت غربتي مع الأيّام وأصبح الوطن سرابا بعيدا والمستقبل ضياعا متواصلا في دروب الحياة! أصبحت فكرة العودة مستحيلة فالقيود الاجتماعية من زواج وأطفال ومجاملات وعائلة لم تكن تناسبني ولا تغريني بالعودة فنبتة الصبار ازدادت جفافا وخشونة وازدادت أشواكها بروزا وقسوة! لكني كنت بحاجة إلى ضمانة ما لأبقى... لم أؤمن يوما بالزواج لكني مضطرة أن أتزوج من أجنبي لأصبح جزءا من هذا المجتمع الذي لا أنتمي إليه ولا يعترف بي! ومع ذلك لا أنكر أن هذا الرجل، الذي لا يشبه نمط الرجال الذين عرفتهم في وطني، يعجبني بفكره المنفتح ودهشة السيّاح في عينيه حين أحدّثه عمّا بقي في ذاكرتي من حياتي السابقة واختياره لاسم مصغّر لي لا علاقة له بهذه "العائشة" التي لم أكنها يوما! لم أحبّها يوما ولم أتحمّل جلدها يوما!

لكني في أشدّ لحظاتي وحدة وظلمة أتساءل ماذا لو مِتُّ هنا؟ هل سيُعيدونني إلى هناك في صندوق كُتب عليه "عائشة" ويحتار الجميع في أمري: اسمها "عائشة"، عائلتها مسلمة وزوجها لا دين له فهل ندفنها في مقابرنا كواحدة منّا أم نجعل لها قبرا مختلفا في الزاوية ليعلم الجميع أنها لم تعد منّا! أم هل سيدفنونني هنا واضعين على قبري شاهدا يحمل اسم "عائشة" وقد يكون قبرا بلا شاهد فاسم عجيب كهذا لا يناسب مقبرة راقية تزيّنها الورود! أيّة سخرية هذه؟ أيّة غربة هذه؟ أيّ تمزق هذا؟ جثّة متأرجحة بين رفضين؟ جثة لامرأة اسمها "عائشة"!