الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

اليتيم


المقدمة


أنا لا أسرد بالضرورة قصصا واقعية بل أستوحي قصصا قد تكون واقعية من مخزون فكري وعاطفي واجتماعي تراكم في قلبي وعقلي وضميري منذ سنين! غايتي ليست السخرية ولا الامتعاض ولا التعاطف ولا الاعتبار... الغاية من هذه القصص هي الحديث عن أشياء "عادية" تحصل لكل الناس كل يوم : الألم, الصمت, التجاهل, الحيرة, الغضب, الظلم... ولكنها قد تدمّر في كل مرّة شيئا ما, في نفسٍ ما، في جسدٍ ما، في حياةٍ ما... العادة تقتل الدهشة وتقتل معها الاعتبار والتعاطف والامتعاض وحتى السّخرية ولكنها لا تقتل الألم الذي نحسّه في كل مرة! لذلك لا أرجو سوى أن لا يقرأ أحد قصّة من هذه القصص ثمّ يقول في نفسه: عادي! نورمال! وماذا في ذلك! Ça arrive! Et alors! وكل هذه العبارات التي لا تعبّر عن اللّامبالاة بقدر ما تعبّر عن اللّا إنسانية! 


اليتيم

أنا مواطن من مواليد الثلاثينات من القرن الماضي، أنحدر من عائلة متواضعة لم يكن لها الوعي الكافي لتضمن لي مستوى تعليميا محترما فوجدت نفسي أتنقل طفلا بين مهن صغرى حملتني إلى عالم الرجال قبل الأوان. ولم يكن الوطن يعني لي شيئا سوى ركن أفترشه في أعماق مخبزة أريح فيه عظامي الصغيرة قبل أن أنطلق إلى الفرن من جديد! كان الاستعمار واقعا يوميّا أعيشه بلا مبالاة: أسمع حكايات من هنا وهناك عن التسلط والقهر والظلم ولم أكن أبالي لأني أذوق كل ذلك مع الخبز اليومي ولم يكن للاستعمار دخل في ذلك فعدوّي كان الفقر ولا علاقة لفرنسا بالفقر في نظري  فالمُرفّهون من أبناء جيلي التحقوا بمدارس فرنسية وأصحاب الثروة والنفوذ آنذاك كانوا إمّا من الفرنسيين أو من التونسيين المشتغلين في كنفهم!

وجاءت بشائر الاستقلال، وكان الحديث عن الزّعيم ورفاقه على كل لسان! وخرجت فرنسا من الباب لتطل علينا من الشباك وتغرينا بالسفر إليها. وكنت من أولئك المحبطين المشغولين بلقمة العيش الذين هاجروا إليها تاركين وراءهم كل شيء او بالأحرى لا شيء سوى أمّ تنتظر عودة الابن الحبيب الذي سيبعث أول حوّالة بريديّة ليدفع ثمن كفنها! الغربة مُرّة ولكنها تتساوى مع الوطن حين لا يكون لك شيء تعود إليه! في فرنسا وجدت ما لم أجده في وطني: الاحترام! احترام الإنسان الذي يحترم نفسه ويتفانى في عمله ويتخلّق بخلقهم التي يُقال إنها كانت في الأصل خلقنا!

عشت هناك لسنوات وكنت محظوظا بالحصول على شغل محترم ثم مرضت فاعتنى بي الفرنسيون كابن لهم وأعادوني إلى بلدي مُعزّزا مُكرّما بمنحة شهرية مُجزية مكّنتني من تربية أولادي على الأكل والشرب والتّعلّم والمشي بجانب الحائط أو الانصهار معه إذا لزم الأمر!

حين عدت في مطلع الثمانينات، اكتشفت هذا الوطن من جديد ورأيت الفقر والخوف قد بدآ يخيّمان على العصر الذهبي: عصر الاستقلال والبناء. وأحسّ الجميع أنّ البناء تآكل وأن الصورة الجميلة اهترأت وأن الطّامة آتية لا محالة ومع ذلك لم يكن أحد يتكلّم! كلّ ما كان يهمّني وقتها أن تأتي المنحة الشهرية في موعدها، لا يهمّني أن تقوم ثورة الخبز ولا أن يُحال الزعيم على التقاعد المتأخّر ولا أن يأتي التحوّل المبارك, المهمّ أن تظل العلاقات "التاريخية" مع فرنسا قائمة ووطيدة كما يقولون في نشرة الأخبار التي كنت مّدمنا عليها وأصدّق كل كلمة فيها منذ توجيهات السيّد الرّئيس إلى بطولات العهد الجديد من زيارات فُجئيّة كالنوبات القلبية وصناديق خيريّة وأحلام ورديّة!

وتحوّلت الأحلام بالنسبة لي إلى كوابيس مع أوّل انتخابات! طبعا تصوّرتُ بعد كلّ ما كان يُقالُ أنّني أصبحتُ أعيش في فرنسا بلد الحرّيّة والدّيمقراطيّة. ولأنّني لا أعرف الكثير عن السّياسة و أردتُ أن أحسّ أنني مواطن له الحق في الاختيار في وطن لم يختر فيه شيئا فقد انتخبتُ القائمة التي أعرف أصحابها: القائمة النهضويّة!

وبدأت أسوأ فترات حياتي: خبرتُ الخوف من البرد، من الجوع، من الغربة، من المرض ولكني لم أكن أعرف أن هناك خوفا أشنع: الخوف من السّجن، من الذّلّ، من الموت! كنتُ كلّ يوم أسمع عن اعتقال جديد وسجين جديد ذهب ولم يعد! كنت أرى كلّ يوم الرّعب يُخيّم على القلوب ويُلجم الألسن! أصبح همّي همّان: المنحة الشهريّة وتبييض الصّفحة! وبما أنّي كنتُ "نهضويّا نظيفا" لا ناقة لي ولا جمل أصبحتُ "تجمّعيّا نظيفا" لم أسرق ولم أنهب ولم أفترِ على أحد وإنّما كنتُ أذهب إلى الشعبة في المناسبات الرسمية من اجتماعات واستقبالات وأعياد وطنيّة وأذهب إلى المسجد في المناسبات الرّسميّة أيضا من صلاة جمعة وعيد وعقود قران وجنائز! وهكذا مرّت السّنوات في الحفاظ على ماء الوجه وقطعة الخبز!

وجاءت الثورة المجيدة التي لم أسمع عنها إلا في أيّامها الأخيرة فقد كانت مدينتي هادئة هدوء الأموات والمجلس في المقهى لا يُعكّر صفوه شيء! وفجأة أصبح النّاس يتهافتون على الخبز ويتوقّعون سنوات من المجاعة أو عودة الاستعمار أو حربا لا تُبقي ولا تذر! ومثلهم تماما كان همّي الأوّل تأمين قوتي فخزّنت الزّيت والسّميد والسّكّر والتزمتُ بيتي في انتظار ما يكون من أمر فلن أفعل في السّبعين ما لم أفعله في العشرين! وهرب الرّئيس وأصبح بين عشيّة وضحاها مخلوعا مع أنّه خلع نفسه وتحوّل من صانع التغيير إلى مجرم وسارق وجبان وكأنّه لن يكون بالإمكان أسوأ ممّا كان!

ثمّ جاءت الانتخابات النزيهة باللّون الأزرق الذي صوّتّ له وفاء لماضٍ انقضى وانتقاما لأناسٍ تعاطفتُ معهم ولأنّي كنتُ "تجمّعيّا نظيفا" لا ناقة لي ولا جمل أصبحتُ "نهضويّا نظيفا". وانتشرت اللّحى والقمصان والفتاوى واصبحتُ لا أفهم شيئا من خطبة الجمعة ولا من نشرة الأخبار!

اعتزلتُ الشوارع والمقاهي: البناء الفوضوي، الأوساخ المُكدّسة، الأسعار المُلتهبة، المظاهر الخادعة... كلّ شيء يدلّ على نفاق هذا الشعبّ فالكلّ يريد أن يخطف شيئا ما يُخبّؤه في مكان ما علّه ينفعه في يوم ما! النّفاق الأزلي الذي يُحوِّلُ كلّ شيء إلى أيّ شيء، يُكيِّفُ أيّ شيء مع أيّ شيء، يُبرّر أيّ شيء بأيّ شيء؟ النّفاق الذي تعايشت معه سبعين عاما لم يعترضني فيها صاحب مبدإ حقيقيّ! انا نفسي لم أكن صاحب مبدأ: كنت فقط أحاول أن أعيش! أن آكل حين أجوع، وأسكت حين أُظلم، وأصفّق حين أخاف، وأصلّي حين أجزع!

ما يُضحكني حقّا هو ما يتقاذفه النّاس اليوم من تُهم: من أيتام فرنسا إلى أيتام بورقيبة إلى أيتام بن علي إلى أيتام النّهضة! قد أكون يتيما لكلّ هؤلاء! ولكنّ ما لا يعرفه هؤلاء الصّبية أنّه في وطن لا يحضنك صغيرا ولا يُعلّمك يافعا ولا يُشغّلك شابّا ولا يحترمك كهلا ولا يُداويك عجوزا، لا يُمكن أن تكون يتيم شخص أو حزب أو حتّى فكرة! أنت بكلّ مرارة يتيمُ هذا الوطن!!!